خطبة عقوبة الكذبة التي تبلغ الآفاق

خطبة عقوبة الكذبة التي تبلغ الآفاق

تحميل
2723
52

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون﴾[آل عمران:102].

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1].

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71] أما بعد ..

فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. 

معاشر المسلمين أخرج الإمام البخاري في صحيحه وغيره من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه وأرضاه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحدكم من رؤيا؟» وإنه قال ذات غداةٍ: «آتاني الليلة آتيان فقالا لي: انطلق، قال: فانطلقت، قال: فأتينا على رجلٍ مضطجع وآخر قائمٌ عليه بصخرةٍ وإذا هو يهوي بالصخرة فيفلق بها رأسه فيتدهده الحجر فيتبعه، فما يرجع إلا وقد صحّ رأسه فيفعل به مثلما فعل في المرة الأولى» قال: «فقلت: سبحان الله، ما هذان؟ قالا لي: انطلق، قال: فانطلقنا فإذا رجلٍ مستلقٍ على قفاه، وآخرٌ قائمٌ عليه بكُلُّوبٍ من حديد، فيأتي إلى أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثلما فعل في الجانب الأول، فما يرجع إلى الجانب الأول إلا وقد صحّ فيفعل به كما فعل في المرة الأولى، فقلت: سبحان الله، ما هذان؟ فقالا لي: انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، وإذا فيه لغطٌ وأصوات، قال: فاطلعنا عليه فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عراة، يأتيهم لهبٌ من أسفلهم، فإذا أتاهم اللهب ضوضوا» أي ارتفعت أصواتهم، «فقلت: سبحان الله، ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على نهرٍ أحمر مثل الدم، وإذا فيه رجلٌ يسبح، وآخرٌ على شاطئ النهر قد جمع عنده حجرة، فيأتي الذي يسبح إلى الرجل الذي على شاطئ النهر فيفغر له فاه» أي يفتح له فاه «فيلقمه بحجر، فيذهب ثم يرجع فيفعل به كما فعل في المرة الأولى، كما جاءه ألقمه حجر، فقلت: سبحان الله، ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق» الحديث.

وفيه: قال لهم: «إني رأيت الليلة عجبًا، قالوا: أما إنا سنخبرك» رأيت عجبًا، رأيت العذاب لهؤلاء الناس، رأيت أنواعًا من العذاب العظيم، وأشكالًا من العذاب العظيم، من العذاب المخيف، وكيف لا يكون مخيفًا يا عباد الله وأنتم قد سمعتم: رجلٌ مضطجع وآخر قائمٌ عليه بصخرة، والصخرة هي الحجرة الكبيرة، فيرمي بهذه الصخرة على رأسه فيفلق رأسه؛ أي ينقسم رأسه إلى نصفين من شدة ضربة الحجر، ثم يتدهده الحجر، فيرجع فيتبع الحجر فيأخذ الحجر، وقد رجع إليه وقد عاد رأسه كما كان، فيرمي به، جاء في بعض الروايات: «فيفعل به هذا إلى قيام الساعة».

وذاك الآخر المستلقي على قفاه، والآخر بيده كُلُّوب، والكُلُّوب: هو الحديد الذي فيه شِعبٌ، الذي في آخره حديدٌ ملتوي فيأتي إلى شقه الأيمن فيشرشر شدقه؛ يعني يقطع شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الشق الآخر فيفعل به كما فعل في الشق الأول، فيرجع إلى الشق الأول وقد عاد سليمًا فيفعل به كما فعل به في المرة الأولى، وهكذا إلى قيام الساعة.

وأما التنور كما سمعتم معاشر المسلمين، تنورٌ وما أدراك ما التنور، أو كمثل التنور فيه رجالٌ ونساءٌ عراة يأتيهم لهبٌ من أسفلهم، فإذا جاء اللهب زادوا صياحًا وزادوا صراخًا من شدة العذاب والألم.

وأما الصورة الرابعة: فنهرٌ أحمرٌ مثل الدم وفيه رجلٌ يسبح، وآخر على شاطئ النهر قد جمع حجارة، فيأتي الذي يسبح فيفتح له فاه فيلقمه حجر، وفي بعض الروايات: «كلما أراد أن يخرج من هذا النهر الأحمر الذي كمثل الدم يلقمه حجر فيرجع والحجر تقع في فيه» أي في فمه.

فكيف لا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت الليلة عجبًا»! «قالا: أما إنا سنخبرك» اسمعوا يا عباد الله إلى الذنوب التي ارتكبها هؤلاء الذي قد سمعتم كيف يُعذّبون، وربما ليسوا بكافرين؛ لأن المسلم إذا مات على كبيرةٍ من الكبائر لم يتب منها فهو تحت المشيئة، وهو معرضٌ لمثل هذه العقوبات على حسب الذنب الذي وقع فيه، فيا ترى ما هي هذه الذنوب التي ارتكبها هؤلاء حتى يُعذّبون بهذا العذاب الذي قد سمعتموه.

«قالا: أما إنا سنخبرك، أما الأول» المضطجع والذي عليه رجلٌ بصخرة فيفلق بها رأسه «فذلك الذي يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة» هذان ذنبان: الأول: أنه قد تعلم شيئًا من القرآن، وحفظ شيئًا من القرآن، فبدل أن يقوم به وبدل أن يعمل بالقرآن لكنه لم يعمل بالقرآن، وذهب القرآن سدى، فلم يعمل به، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُون﴾[السجدة:22] هذا الذنب الأول.

والذنب الثاني: أنه كان ينام عن الصلاة، يعني هو يصلي لكنه أحيانًا يسمع الأذان ويسمع الإقامة ثم لا يقوم ويتعمد النوم، فينام عن الصلاة حتى يخرج وقتها، فعوقب من جنس عمله، يوم أن أضجع رأسه ولم يلبي نداء الله عوقب بصخرةٍ تُرمى على رأسه، هذا الرأس الذي وضعه على الوسادة ولم يستجب لنداء الله، انظر ماذا يُعاقب، هذا الرأس بماذا يُعاقب؟ يا من وضعت رأسك على الوسادة ونمت عن الصلاة المكتوبة حتى خرج وقتها اسمع ماذا يُفعل برأس من كان هذا حاله، يُقيّد له رجل ومعه صخرة يرمي بالصخرة على هذا الرأس، حتى ينقسم إلى قسمين والعياذ بالله، جزاءً لهذا الرأس الذي عصا، هذا الرأس الذي أبى أن يقوم لله وأن يستجيب لنداء الله فإنه يُعاقب بهذه العقوبة.

 هذا وهو يصلي، لكن تلاعب بالصلاة ونام عن الصلاة المكتوبة، فيا ترى ما هي عقوبة من لا يصلي؟ ما هي عقوبة من لا يصلي؟ ما هي عقوبة من يصلي ويخلّي؟ ما هي عقوبة الذي لا يعتب المساجد إلا في يوم الجمعة؟ إذا كانت هذه العقوبة يا عباد الله لمن يصلي لكنه ينام عن الصلاة المكتوبة، لا يصليها في وقتها، فينام مع علمه بدخول الوقت، ثم يقوم ويصلي كيفما شاء.

إذًا الأمر ليس بالهين يا عبد الله، فكر يا عبد الله، وأنت تخاف من رصاصة، تخاف من رصاصة تدخل في جسمك، تخاف من حشرة يسيرة تستخدم لها الوسائل كي تتقي شرها وألمها، فكيف بصخرةٍ؟ إنك تعمل الوسائل حتى لا تُلدغ من البعوض، تريد أن تنام نومًا هادئًا، تتقي البعوض بشتى الوسائل، فكيف بصخرةٍ تقع على الرأس فتفلقه إلى نصفين، عقوبةٌ عظيمة.

فأين عقول من يترك الصلاة؟ أين عقول من يتلاعب بالصلاة؟ وقد قال الله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّين﴾ ويلٌ وعيد شديد ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّين (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُون﴾[الماعون:4-5] يعني يصلون لكن يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها، توعدهم الله بهذا الوعيد الشديد والتهديد الأكيد، فقال جل وعلا في كتابه الكريم بآيةٍ تُتلى إلى يوم الدين: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّين﴾ أرأيت لو قال لك أحد أعدائك: ويلٌ لك، بينك وبين أحد خلاف، فلقيك أو اتصل بك وقال لك: ويلٌ لك، كيف سيكون حالك؟ ستكون خائف، إذا خرجت تلتفت يمينًا ويسارًا، تخاف من أن يصنع بك شيء، فكيف إذا قال لك الله: ويلٌ لك، أما تخاف من هذا التهديد من الذي يقول للشيء كن فيكون؟ من الذي بيده الجنة والنار وهو يقول لك: ويلٌ لك، ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّين (4)الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُون﴾.

هذه العقوبة التي سمعتموها يسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول له من أخذه: «وينام عن الصلاة المكتوبة».

قال: أما الرجل المستلقي على ظهره والذي يأتيه آخر بكُلُّوبٍ من حديد فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ثم يأتي الشق الآخر فيفعل فيه مثلما فعل بالشق الأول، ثم يرجع إلى الشق الأول وقد صحّ فيفعل به مثلما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «سبحان الله، ما هذا؟» أي ما هذه العقوبة؟ ما هو الذنب الذي ارتكبه هذا حتى يُفعل به هذه العقوبة؟ فقال له: «ذلك الرجل يغدو من بيته» يخرج في الصباح «فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق».

يكذب كذبة تخرج من فيه ويرمي بها في أوساط الناس، ثم تنتشر فيحصل بهذه الكذبة إرجاف، هذا في زمنٍ ليس فيه هذه الوسائل، والآفاق: المكان البعيد، فكيف في زمن الاتصالات، وفي زمن الشبكات العنكبوتية التي ينتشر فيها الخبر في دقائق إلى أرجاء الأرض، إلى مشارقها ومغاربها، فهذا يكذب في الـFacebook أو في الـWhat's app أو في الـnet فيقول: حصل كذا وهو كذاب، فينتشر الخبر، فيحصل به إرجاف، فيخاف بخبره من يخاف، ويحزن بخبره من يحزن، ويقلق بخبره من يقلق، وتحصل به المفاسد العظام، وهو يريد فقط أن يشتهر إن كان ظاهرًا، أو يريد أن ينظر إلى ما سيحصل بكذبته من أحداث، يتسلى بما يفعل من فتنةٍ وفتنٍ عظيمة.

فيالله كم من خبرٍ مكذوب أردى ببعض الناس صريعًا فمات، وهو خبرٌ مكذوب، كم من إنسانٍ ارتفع ضغطه، وربما أُصيب بشللٍ نصفي، وربما حصل وحصل وحصل سبب هذه الكذبة، كم حصل من إرجاف ومن خوف ومن حزن، كم أحزن أناسًا وأبكى أناسًا وأرجف أناسًا بسبب كذبة ألقاها في هذه الأجهزة، في هذه الاتصالات، في هذه الوسائل فبلغت الآفاق.

لكن أسمعتم إلى عقوبته؟ يقيّد الله له رجلًا معه كُلُّوبٍ من حديد، الملتوي من طرفه، فيأتي إلى هذا الفم الذي خرجت منه الكذبة فيشرشره؛ أي يقطعه إلى قفاه، وليس ذلك فحسب، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل حتى أنفه وحتى عينه؛ لأنه ربما حصلت مشاركة بهذه الجوارح، نظر أو إلى غير ذلك، فعوقب بهذه العقوبات، ولا زال الرجل يقطّع شقه الأيمن، وكذلك منخره من الجهة اليمنى، وعينه من الجهة اليمنى، وينتقل إلى الجانب الآخر فيقطعه ويعود وقد صحّ شقه وعاد كما كان، فيفعل به إلى قيام الساعة، جزاءً لما أحدثه، لما فعل به من إرجاف، لما فعل به من كلمة خرجت بعدد حروفٍ يسيرة لكنها عظيمة ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم﴾[النور:15].

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾[الأحزاب:58] ما ذنبهم؟ يوم أن تُرجِف، ويوم أن تُحزِن، ويوم أن تخيف، ما الذي فعلوا بك؟ ما الذي صنعوا بك؟ ما الذي وصل إليك من جهتهم حتى تُحدث مثل هذه الأمور التي قد سمعتم ما يحصل بها من آثارٍ عظيمةٍ.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ما زلنا معكم معاشر المسلمين، مع هذا الحديث العظيم الذي أخبر به النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، ولا بد أن نمعن النظر فيما نسمع ونعتبر، لا بد أن نخاف من عقوبة الله جل وعلا، فإن عقوبة الله عظيمة لمن عصاه يا عباد الله، ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَد﴾[الفجر:26] ليس هناك أحدٌ يستطيع أن يعذّب كعذاب الله جل وعلا، ورحمة الله واسعة لمن أطاعه وأناب إليه ورجع إليه وتاب إليه، فلهذا سمعنا في هذا الحديث إلى بعض هذه العقوبات، وإلى أنواعٍ يسيرةٍ من العقوبات، وإلا فالعقوبات كثيرة وعظيمة معاشر المسلمين.

قال: أما الذي هو مثل التنور، والذي فيه الرجال والنساء العراة «فأولئك الزناة والزواني» انظر يا عبد الله يا من تسوّل لك نفسك إلى الزنا أين يكون الزناة يوم القيامة؟ في مثل التنور، واللهب من أسفلهم وهم عراة يصيحون، يستغيثون، يتوسلون، ولكنهم يُعاقبون بهذه العقوبة يوم أن انتهكوا حرمات الله، ويوم أن وقعوا في مثل هذه المعاصي يا عباد الله، فهل تسوّل لك نفسك بعد ذلك أن ترتكب مثل هذه المعصية القبيحة الشنيعة التي تُنتهك بها الأعراض وتختلط بها الأنساب ويحصل بها الفساد العظيم.

قال له: أما الرجل الذي يسبح في نهرٍ أحمرٍ مثل الدم «فذاك آكل الربا» ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾[البقرة:278-279] حربٌ في الدنيا وعقوبةٌ في الآخرة، الربا الذي تساهل به كثيرٌ من الناس، لا هم له إلا أن يجمع، إلا أن يربح، إلا أن يسبح في الأموال، فعاقبه الله يوم القيامة أن يسبح في نهرٍ مثل الدم، وكلما أراد أن يخرج من هذا النهر الذي ربما يكون عفنًا، وكيف لا وهو كمثل الدم؟ كلما أراد أن يخرج فقد وكّل الله له رجلًا قد جمع حجارة يأخذ الحجر فيلقمه في فيه جزاءً لهذا الفم الذي من أجله أكل الربا، الذي من أجله تعامل بالربا، الذي من أجله سهّل الربا والعياذ بالله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «درهمٌ من ربا أعظم عند الله من ستٍ وثلاثين زنية» هكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فهذه عقوباتٌ معاشر المسلمين، أخبر بها نبينا صلى الله عليه وسلم، فلا يُستهان بمثل هذه الأخبار، ولا يُستهان بكلام الله وبكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن استهان بكلام الله وبكلام رسوله ولم يتعظ ولم ينزجر فإنه يندم عند الموت، ويندم حينما تُحمل جنازته، ويندم في القبر، ويندم يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً (28)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً﴾[الفرقان:27-29].

وقال الله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾[المؤمنون:99-100].

وقال الله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾[النساء:18].

وقال الله سبحانه: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾[فاطر:37].

وقال الله سبحانه: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّين (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ أي من النار ﴿فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُون (107) قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُون﴾[المؤمنون:106-108] لا كلام لكم؛ لأنكم لم تسمعوا الكلام، ولم تأخذوا بالمواعظ، ولم تأخذوا بمن ذكّركم، الآن تريدون أن ترجعوا إلى الدنيا من أجل أن تسمعوا؟ أين ذهب سمعكم وأبصاركم؟ أين ذهبت عقولكم يوم أن كانت تُتلى عليكم آيات الله والأحاديث النبوية، فيا عباد الله لا نستهين بالأمر، فالله ما خلقنا عبثًا، إنما خلقنا لعبادته، فلا بد أن نستقيم على طاعة الله وأن نمتثل أوامر الله وأن نخاف من عقوبة الله.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى، اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، اللهم أصلح قلوبنا، وأصلح أعمالنا، وأصلح نياتنا يا رب العالمين، اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه ولأموات المسلمين يا أرحم الراحمين، اللهم أصلح شبابنا، وأصلح نساءنا وبناتنا، وأصلح ذريتنا، وأنت أرحم الراحمين، اللهم خذ بأيدينا وأيديهم إلى طريق الخير والرشاد، اللهم جنّبنا وإياهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم من أرادنا والمسلمين وأراد علماءنا ومشايخنا وطلاب علمنا بسوءٍ فرد كيده في نحره، واشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميرًا له يا رب العالمين.

اللهم ولِّ علينا خيارنا ولا تولِّ علينا شرارنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة التي تقودهم إلى الخير والرشاد، اللهم ارفع عنا الغلاء والبلاء والفتن يا رب العالمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم عليك بأعداء الدين من يهود ونصارى وملحدين ورافضةٍ معتدين، فرّق جمعهم وشتت شملهم واجعل الدائرة عليهم وخالف بين كلمتهم، اللهم اهزمهم يا هازم الأحزاب، اللهم اهزمهم يا هازم الأحزاب، اللهم انصر دينك وانصر أوليائك وانصر المجاهدين في سبيلك، سدد رميتهم، ووحد كلمتهم، واجمع صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحق المبين، إنك أنت البر الرحيم، وصلّ اللهم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.

*****************************

كانت بتاريخ 3 صفر 1440

كلام خير البشر