خطبة فضل عشر ذي الحجة
خطبة فضل عشر ذي الحجة
فضل العشر من ذي الحجة
01 ذو الحجة 1432هـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب: 70-71].
أما بعد...
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
أما بعد...
أيها المؤمنون،
فلقد فضَّل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شهرًا عن شهور، وأيامًا عن أيام، وليالي عن ليالي، ويومًا عن أيام، وساعةً عن ساعات، فضَّل شهر رمضان عن سائر الشهور، وأيام العشر من ذي الحجة عن سائر الأيام، وليالي العشر الأواخر من رمضان عن سائر الليالي، ويوم عرفة عن سائر الأيام، والساعة الأخيرة من الجمعة عن سائر الساعات، والله يختص برحمته من يشاء، ولله الحكمة البالغة يختار ما يشاء له الأمر وله الحكم لا إله إلا هو سبحانه.
أيها المؤمنون،
ألا وإن من الأيام التي فضلها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الأيام العشر من ذي الحجة الذي يعتبر هذا اليوم هو أول أيامها، فتعالوا أيها المؤمنون، تعالوا لنسمع ما حباه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هذه الأيام من فضائل ومزايا عظيمة تدل على عظيم أمرها، وتدل على عظيم فضلها، وتدل على أن جدير الاهتمام بها.
* مما يدل على فضل هذه الأيام أيها المؤمنون أنها وقعت في الأشهر الحرم، فالأشهر الحرم التي هي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ورجب مضر، قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾[التوبة:36]
وروى أبو داؤود وصحح الحديث العلامة الألباني عليه رحمة الله من حديث أبي بكرة قال: (إن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خطب فقال: «إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّه السَّماواتِ والأَرْضَ، السَّنةُ اثْنَا عَشَر شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُم: ذُو الْقعْدة، وَذو الْحجَّةِ، والْمُحرَّمُ، وَرجُب مُضَر الَّذِي بَيْنَ جُمادَى وَشَعْبَانَ» فهذه الأيام أيها المؤمنون وقعت في شهر ذي الحجة، هذا دليلٌ على فضلها، وهذا دليلٌ على عظيم أمرها أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اختار هذه الأيام وجعلها من الأشهر الحرم، والله يقول: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾[التوبة:36] هذه الأيام، وهذه الأشهر بالمعاصي والذنوب، بالمعاصي التي هي أعظم الظلم للنفس.
فيا عباد الله، إن المشركين كانوا يكفُّون عن المعاصي، وعن القتل والقتال في الأشهر الحرم لتعظيمهم لهذه الأشهر، وأما نحن فإنَّا لله وإنا إليه راجعون ما أكثر المعاصي، وما أكثر الدماء التي تسكب هذه الأيام، إن دل فإنما يدل يا عباد أن المسلمين غفلوا عن هذه الأشهر الحُرُم التي كانت تتوقف فيها الحروب فيما قبل الإسلام لتعظيمهم لهذه الأيام.
* ومما يدل يا عباد الله على عظيم هذه الأيام وهي العشر من ذي الحجة أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قسم بها، ولا يقسم الله إلا بعظيم فقال: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4)﴾[الفجر4:1].
فهذا دليلٌ على عظيمها، قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد: {أيام العشر هي العشر من ذي الحجة}، وقال الإمام السعدي رَحِمَهُ الله في تفسيره مبينًا سبب إقسام الله بهذه الأيام، قال: {وهذه الأيام فيها يوم عرفة الذي يغفر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لعباده مغفرةً يحزن لها الشيطان، ولم يُرَ الشيطان أدحر، ولا أحقر من ذلكم اليوم لما يراه من تنزل الملائك والرحمة من الله لعباده، وفيها أكثر أفعال الحج، فلهذا هي مستحقةٌ أن يقسم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بها} فهذا دليلٌ على فضل هذه العشر أن أعظم أفعال الحج واقعةٌ فيها؛ ولهذا قسم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيها وبيها.
* وأيضًا مما يدل على فضائل هذه العشر أنها الأيام المعلومات التي حث الله عباده بإكثار الذكر فيها: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾[الحج:28] قال ابن عباس: {و(الأيام المعلومات) هي العشر من ذي الحجة، فهذا دليلٌ على فضلها يا عباد الله}.
* ومما يدل على فضل العشر من ذي الحجة أنها أفضل أيام الدنيا فقد روى البزار وأبو يعلى وصحح الحديث العلامة الألباني عليه رحمة الله من حديث جابر أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: "«أَفْضَل أَيَّام الدُّنْيَا العَشْر»؛ أي العشر من ذي الحجة، قالوا: وَلَا مِثْلُهُن مِنَ العَمَل؟ قال: «وَلَا مِثْلُهُن إِلَّا رَجُلٌ غَبَّر وَجْهَهُ بِالتُّرَابِ»" ففي هذا الحديث بيَّن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن أفضل أيام الدنيا هذه الأيام التي نحن في أولها، فهي جديرةٌ بالاهتمام، وجديرةٌ بالاعتناء.
ولهذا سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَهُ الله عن أيام العشر وليالي العشر من رمضان أيهما أفضل؟
فقال: (أيام العشر من ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي العشر من ذي الحجة).
قال ابن القيم: (وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافيًا كافيًا)؛ أي أن أيام العشر أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان.
* وهكذا مما يدل على فضل العشر من ذي الحجة ما جاء عند البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: "«مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِح فِيهَا أَحَبُّ إِلَى الله مِنَ هَذِه العَشْر»" يعني العشر من ذي الحجة، "قالوا: وَلَا الجِهَاد فِي سَبِيل الله؟ قَالَ: «وَلَا الِجهَاد فِي سَبِيل الله إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَم يَرْجِع مِنْ ذَلِكَ بِشَيء».
* وأيضًا مما يدل على أنها عظيمة ما جاء عند البيهقي وصححه العلامة الألباني عَلَيْهِ رَحْمَة الله من حديث ابن عباس أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: "«أَعْظَمُ الأَيَّام عِنْدَ الله وَأَحَبُّ العَمَل فِيهَا مِنَ العَشْر» قَالُوا: يَا رَسُول الله، وَلَا الجِهَاد؟ إلى أن قال: «فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّحْمِيدِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالتَّهْلِيل، وَالتَّكْبِير»".
هكذا يا عباد الله، فالأعمال الصالحة في هذه الأيام عظيمةٌ عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعظم ثوابها، ويعظم أجرها.
فيا أيها المؤمن الكريم، اجتهد في هذه الأيام التي يحب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى العمل فيها، تفرغ لتلاوة القرآن، للتسبيح، والتهليل، تفرغ لطاعة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أكفف عن المعاصي والذنوب، أترك ما يغضب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إذا كنت محبًّا لله، ومحبًّا لرسول الله، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يحب منك أن تعمل له في هذه الأيام، وأن تكثر من الأعمال الصالحة من صدقةٍ، ومن قيامٍ لليل، ومن تلاوةٍ للقرآن، ومن صيامٍ وغير ذلك من الأعمال الصالحة، إذا كنت مستمر عليها قبل ذلك فأكثر فيها ومنها في هذه الأيام، أكثر منها في هذه الأيام، فإنها أيامٌ عظيمة، وأيامٌ فاضلة، وأيامٌ مباركة، وعلينا أن نتقي الله في أنفسنا لا نضيع أوقاتنا وأعمارنا تمر علينا مثل هذه المواسم ومثل هذه الأيام المباركة فتذهب سدى، لا نهتم بها، ولا كذلك نلتفت إليها، فإن هذا من الضياع، وهذا من الغفلة، وهذا من ذهاب العمر.
* ومما يدل على فضل هذه الأيام أن العمل فيها أعظم أجرًا عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، العمل فيها عظيم الأجر، أي عملٍ تعمله فأجره عظيم، فقد جاء عند الطبراني وصحح الحديث العلامة الألباني من حديث ابن عباس أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: «مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ الله، وَلَا أَعْظَم أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَله فِي هِذِه الأَيَّام» قالوا: وَلَا الجِهَاد فِي سَبِيل الله؟ قال: «وَلَا الِجهَاد فِي سَبِيل الله إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَم يَرْجِع مِنْ ذَلِكَ بِشَيء» ما من عملٍ أزكى أعظم عند الله أجرًا، ولا أزكى من عملٍ يعمله ومن خيرٍ يعمله في هذه الأيام.
فانظر يا عبد الله، الصدقة في هذه الأيام، ليست كالصدقة في غيرها، الصلاة، التهليل، التسبيح، بر الوالدين، صلة الأرحام، كل واحدٍ منا يتفقد نفسه، فينظر إلى الأعمال التي قصَّر فيها، والأعمال التي تركها، ألا فليجدد العهد من الله، وليداوم على الأعمال، وليكثر منها في هذه الأيام، فإن الأجر عظيم، والثواب عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عظيم.
* ومما يدل يا عباد الله، على فضل هذه الأيام أن فيها يوم عرفة، وما أدراك ما يوم عرفة، جاء في الصحيح من حديث عائشة رَضِيَ الله عَنْها أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال، قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُغْفِر الله فِيهِ أَوْ يَعْتِق الله فيه عبيدًا مِنَ النَّارِ مِنْ مِثْل هَذَا اليَوْم يَوْم عَرَفَة» قالت: «وَإِنَّهُ لَيَدْنُو وَيَتَجَلَّى لِأَهْل الموْقِف، فَيُبَاهِي بِهِم المَلَائِكَة، فَيَقُول: لمَ جَاءَ هَؤُلَاء؟» وفي رواية خارج الصحيح أنه قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: «أَنَّ الله يَقُول: أُشْهِدَكُم يِا مَلَائِكَتِي أَنِّي قَدْ غَفَرْت لَهُم» هذا اليوم هو في يوم العشر من ذي الحجة، فهذا دليلٌ يا عباد الله على فضلها وعلى عظيم أجرها، وعظيم شأنها إذا جعل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يوم عرفة في هذه العشر وجعل فيها أعمالًا كثيرة تقام بالنسبة للحجاج وغيرهم.
* ومما يدل على فضل العشر من ذي الحجة أيضًا أن فيها صيام يوم عرفة، فقد جاء في الصحيح من حديث أبي قتادة {أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم سئل عن يوم عرفة فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: «يَوْم عَرَفَة»}؛ أي صيامه وذلك لغير الحجاج «يُكَفِّر الله بِهِ السَّنَة الماضِيَة وَالسَّنَة القَابِلَة»، وقال أيضًا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: «أَحْتَسِبُ أَنْ يُكَفِّر الله سَنَةً قَبْلَه وَسَنَةً بَعْدَهُ».
فاحرصوا يا عباد الله على هذه الأعمال في هذه الأيام المباركة، وكفانا ضياعًا، وكفانا غفلةً كم أخذت القنوات أوقاتًا من الناس، وكم أخذت القنوات أعمارًا من الناس ضاعوا فيها وغفلوا عن مثل هذه الأيام، فالله الله يا عباد الله، علينا أن نكثر من طاعة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ومن الأعمال الصالحة في هذه الأيام.
أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
***
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد...
أيها المؤمنون،
* إن في هذه الأيام عباداتٌ وأحكام يُقبِل عليها الكثير من المسلمين، ومن ذلكم أيها المؤمنون إقبال الكثير من المسلمين على شراء الأضاحي؛ ولهذا أردنا أن نبيِّن بعضًا من الأحكام والآداب بما يتعلق بهذه العبادة العظيمة:
- فإن من أول وأعظم الآداب والأحكام أنك إذا نويت أن تشتري أضحيةً عليك أن تستحضر الإخلاص لله سُبْحَانَهُ لا يكون همك اللحم، فالكثير من المسلمين إذا اشترى الأضحية ليس له همٌّ إلا اللحم، وليس له مقصدٌ إلا اللحم، وهذا خطأٌ عظيم أن نجعل هذه العبادة لهذا المقصد الدنيوي، ولكن هذه العبادة أن نجعلها أولًا لله، فتنوي إذا اشتريت الأضحية أنك تتقرب بها إلى الله سبحانه، وتمتثل ما أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به، قال الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾[الأنعام163:162]، وقال الله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾[الكوثر:2].
فالنحر والذبح مقصوده التقرب إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثم لا مانع أن يكون مقصودك كذلك أنك تُطعِم نفسك وأهلك من هذه الأضحية، لكن أول المقاصد أن تبتغي بما تشتري من أضحية وجه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وهي؛ أي الأضحية هي سنةٌ مؤكدةٌ على القادر، وليست بواجبةٍ على الصحيح من أقوال أهل العلم، فمن كان قادرًا فليبادر بها، ومن كان عاجزًا فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
ثم أيضًا من الآداب والأحكام أنك إذا نويت أن تشتري الأضحية، فإذا دخلت العشر فأمسك عن شعرك وعن بشرك وعن أظفارك لما جاء في الصحيح من حديث أم سلمة أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: «إِذَا أَرَادَ أَحَدَكُم أَنْ يُضَحِّي فَلَا يَمَسَّنَّ شَعْرَه وَلَا ظفره وَلَا بَشَرَتِه» فلا يجوز لك أيها المؤمن الكريم إذا قد نويت أن تضحي حتى وإن كنت لم تشتري الأضحية طالما أنك نويت أن تضحي فيجب عليك أن تمسك، فلا يجوز أن تأخذ من شعرك شيئًا، ولا من أظفارك، ولا من بشرتك إلا إذا حصل ضررٌ يحتاج لإزالة شيئًا من البشرة كالجراحات، أو حصل لك ضررٌ في أظفارك فالضرورات تبيح المحظورات، أما إذا كنت صحيحًا سليمًا، فيجب عليك أن تلزمها، ولا يجب الامتناع إلا عن المضحي عن رب البيت، والمسؤول عن البيت إن كان ذكرًا فذكرًا، وإن كانت الأم أو أنثى فهي التي تمتنع وهو الذي يمتنع إذا كان الأب قد مات، والأم هي التي تقوم بشراء الأضحية، وهي المسؤولة عن البيت، فهي التي تمتنع، كما أن الأب إذا كان موجودًا فهو الذي يمتنع سواءٌ باشر الأضحية هو أو وكَّل غيره، فإن الذي يمتنع هو، وأما سائر البيت وسائر أهل البيت فلا يمتنعون، فإن الحكم خاصٌّ في رب البيت، والمسؤول عن هذا البيت، هذه من الأحكام التي تتعلق بالأضحية.
ثم إذا ذهبت لشراء الأضحية، فلا بد أيها المؤمن أن تراعي السن المعتبر لقول النبي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كما جاء من حديث أبي هريرة أنه قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّة، فَإِنْ تَعَثَّر عَلَيْكُم فَجَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» والمسنة هي (26:34) والمراد بالمسنة في الإبل ما أكملت خمس سنوات ودخلت في السادسة، والمسنة من البقر ما أكملت سنتين ودخلت في الثالثة، والمسنة من المعز ما أكملت سنةً ودخلت في الثانية، والمسنة من الضأن ما أكملت سنةً ودخلت في الثانية، لكن بالنسبة للضأن إذا لم تجد مَاعْزًا قد استكملت السنة فلك أن تضحي بجذعةً من الضأن، والجذعة من الضأن ما أكملت ستة أشهر ودخل في السابعة، هذا الجذع من الضأن يجوز للمسلم أن يشتري الجذعة من الضأن سواءً وجد ماعزًا بلغ سنة أو لم يجد، فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه يشتري جذعةً من الضأن إذا أراد ضأنًا، والأفضل أن يشتريه قد أكمل سنة، وإذا لم يجد إلا ما أكمل ستة أشهر، فإن هذا جائز.
ولننتبه عند الشراء، فإن بعض الباعة يكذبون على المسلمين يريدون إنفاق سلعتهم، فيقول للمسلم: هذه قد بلغت سنة وهو كذابٌ في قوله، فخذ معك من له خبرة في أسنان الأنعام إذا أردت أن تتقرب إلى الله بهذه العبادة العظيمة.
ثم أيضًا يا عبد الله، لا بد أن تكون الأضحية سالمةٌ من العيوب، والعيوب المتفق عليها أربعة كما في حديث البراء {سئل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عما يتقى من الأضاحي فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: «أَرْبَعًا» قال: «العَوْرَاء البَيِّن عَوَرُهَا، وَالعَرْجَاء البَيِّن عَرَجُهَا، وَالمرِيضَة البَيِّن مَرَضُهَا، والعَجْفَاء التِي لَا تُنْقِي» فهذه أربعة عيوب مجمعٌ على أن واحدًا منها إذا وجد في الأضحية، فإنها تكون غير مجزئة.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: «العَوْرَاء البَيِّن عَوَرُهَا» والمراد ببيان العور أن تكون منكوحة العين، أو مخسوفة العين، أي دخلت عينها إلى الداخل، هذا عورٌ بيِّن، أما إذا كانت عينها موجودة وهي لا ترى بها فهذه مجزئة؛ لأنه عور غير بيِّن، أما العمياء فهي من باب أولى أن تكون غير مجزئة.
وأما «العَرْجَاء البَيِّن عَرَجُهَا» قال أهل العلم: ضابط العرج الذي يمنع من الأضحية هو العرج الذي يمنع الأضحية من أن تمشي مع أخواتها، فإذا كان هذا العرج يمنعها أن تمشي تكون دائمًا في الخلف بسبب العرج، فإن هذا عرجٌ بيِّن لا يجزئ معه الأضحية، أما إذا كان العرج يسيرًا، وإذا مشى أخواتها بالرعي تمشي معهم فهذا عرجٌ لا ضرر فيه.
وأما المرض البيِّن فهو الذي يظهر على جلد الماشية، أو على جلد الأضحية، أو على لحمها، فمثل ذلك الجرب والجرح الظاهر وغير ذلك من الأمراض التي تظهر وتؤثر على الأضحية فيمنعها من الأكل، أو يخفف الأكل عنها مما يسبب هزالها أو غير ذلك، فهذا مرضٌ بيِّن، أما إذا أصيبت بمرضٍ يسير لم يضر بها وهي تمشي مع هذا المرض لا ضرر عليها، فإن هذه مجزئة.
وهكذا قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: «العَجْفَاء» أي التي نحلت وصارت نحيفة، وصار لا مخ في عظمها، فهذه لا تجزئ، أما إذا كان النحالة والنحافة يسيرة فلا ضرر فيها.
فهذه أربعة عيوب إذا وجد عيبٌ منها لم تجزئ معها الأضحية، ومن باب أولى مقطوعة القوائم أي الرجلين فهذه أيضًا أو الرجل الواحدة فهذه أيضًا لا تجزئ إلى غير ذلك.
وأما بعض العيوب فهي مجزئة مع الكراهة كمقطوعة الأذن، أو مشقوقة الأذن، أو مقطوعة السُّبلة أو الإلية، فإن هذه على الراجح من أقوال أهل العلم أنها مجزئة، لكن مع الكراهة.
والأفضل للمسلم أن يتحرى الأضحية السليمة الصحيحة الثمينة التي منظرها طيب إن استطاع إلى ذلك سبيلًا، ولا مانع بأن يضحي من الأضاحي ذكرًا أو أنثى بالإجماع، فإن بعض المسلمين يعتقد أن الأنثى لا يجوز أن يضحى بها، هذا القول غير صحيح، بل يجوز من الذكر والأنثى وأفضل الأضاحي ما كان فحلًا، ما كان كبشًا فحيلًا يمشي في سواد، ويأكل في سواد، ويقعد في سواد، (فإن النبي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ضحى بكبشين أقرنين أملحين) وجاء في بعض الروايات (يأكل في سواد، ويمشي في سواد، وينظر في سواد)؛ أي أنه أبيض، وهناك لونٌ أسود على عينيه وعلى فمه وعلى بطنه وعلى قوائمه، كل هذا يعطى منظرًا طيِّبًا، فإن الإنسان يتقرب إلى الله بما طابت به نفسه، وبما جادت به نفسه، وهذه أوصافٌ مستحبة، ولكن إذا لم تجد في هذه الأضحية هذه الصفات فلا بد أن تكون سالمةٌ من العيوب، وأن تكون بلغت السن المعتبر، فهذه من العبادات التي تقع في هذه العشر.
أسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بمنِّه وكرمه أن يوفقنا وإياكم للعمل الصالح في هذه الأيام، وأن يجعلنا فيها من القائمين الصائمين التالين الذاكرين له سُبْحَانَهُ وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين، وأن يعفو عنا وعنكم، وأن يرفع عنا البلاء والفتن والمحن، وأن يؤلف القلوب، ويصلح الأحوال، ويجمع الكلمة على الحق، إنه هو البر الرحيم، وصلِّ اللهم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.