خطبة الإسراف والتبذير
خطبة الإسراف والتبذير
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:70-71].
أما بعد...
فإنَّ خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صَلَّى اللَّهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ-، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
معاشر المسلمين...
إن من عظيم رحمة الله -جَلَّ وعَلا- واعتناءه بخلقه أن ذلَّل لهم هذه الأرض وأودع فيها من الأرزاق الطيبة كي ينتفع بها، ويأخذ منها ما عسى أن يصلح بذلك أبدانهم، وعقولهم، فأودع فيها كل خيرٍ وسهل لهم ذلك، قال -جَلَّ وعَلا-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:15]، وخص المؤمنين بعظيم اعتناءه ورعايته وتدبيره، فأحل لهم الطيبات فقال -جَلَّ وعَلا-: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:32].
فهذا من عظيم رحمة الله، ومن عظيم اعتناء الله -جَلَّ وعَلا- بعباده المؤمنين أن أحل لهم الطيبات، ولكن مع علمه -سُبْحَانهُ- ولعلمه بقصور العقول البشرية، وشراهة أنفسها، وأنها ربما تقدم لفعل ما لا ينفع، ولفعل ما قد يضر، والله -سُبْحَانهُ- مع انه أودع في هذه الأرض كل طيبٍ ومع ذلك فإنَّه ترك فيها بعض ما يضر، ابتلاء لعباده المؤمنين، ولهذا قال -جَلَّ وعَلا-: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:35] فالله -سُبْحَانهُ- أودع في هذه الأرض من الطيبات وأودع فيها أيضًا من المحرمات ابتلاء.
ولعلمه -سُبْحَانهُ- كما سمعنا بقصور العقول البشرية وشراهة نفسها إلا من رحم، فإنَّ -سُبْحَانهُ- لم يترك المجال للإنسان وبالأخص لأهل الإيمان أن يفعلوا بأموالهم ما يشاؤون، وأن يتصرفوا بأموالهم ما يشاؤون، لعلمه -سُبْحَانهُ- بأن هناك من لم يحسن التصرف، ولن يحسن التصرف في ماله، فربما يأخذ بماله ما يضر، وما لا ينفع، وربما يضع ماله في غير محله، ولهذا حرم الله -جَلَّ وعَلا- الإسراف والتبذير ورغَّب وأمر بالاعتدال في جانب المال، قال -جَلَّ وعَلا- في كتابه الكريم مبينًا ذلك: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء:29].
أي الزم الوسط في نفقتك على نفسك، في نفقتك على أولادك في أمورٍ كثيرة، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:143] فلا تكن بخيلًا شحيحًا مقصرًا فيما يجب عليك، ولا تكن مسرفًا تضع المال فيما لا ينفع وربما يضر، ومن ثَم حرم الله -سُبْحَانهُ- الإسراف والتبذير.
فيا ترى ما هو الإسراف؟ وما هو التبذير؟
الإسراف: قال أهل العلم: أن يتجاوز المنفق بماله وفي نفقته في الأمر المباح، أي أنه يزيد في الأمر ويعطي الأمر فوق حقه، في الأمر المباح.
وأما التبذير: فهو بذل المال في المحرمات والمكروهات كان قليلًا أو كثيرًا.
إذن هذا هو الفرق بين الإسراف أنك تبذل المال في المباح لكن تتجاوز، تتجاوز، وأما التبذير أن تبذل المال في المحرمات والمكروهات ولو كان قليل، فإنَّك تعتبر في ميزان الشرع تعتبر مبذرًا والعياذ بالله، ولهذا قال الله -سُبْحَانهُ- في كتابه الكريم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:31]، وكلوا واشربوا الأكل مباح والشراب مباح لكن إذا جاوز الحد؛ فإنَّ هذا من الإسراف والله لا يحب المسرفين.
وقال -سُبْحَانهُ- في التبذير: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:26-27] وفي النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال النبي -صَلَّى اللَّهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ»، هكذا هو شرعنا الحنيف، وهكذا هي حكمة الله ورحمته، تتمثل في اعتنائه بخلقه، في أنه -سُبْحَانهُ- شرع لهم ما يكون سببًا لنجاتهم، وحرم عليهم ما يكون سببًا وضررًا على أنفسهم.
فلهذا يا عبد الله انظر إلى حياتك، إذا ساق الله لك الرزق فانتبه وكن منضبطًا ولا تكن مسرفًا لا في نفقتك ولا في بنائك، ولا كذلك في أمورٍ كثيرة ربما أنت لا تبالي بها، وتظن أنَّ الأمر سهل وليس بالسهل فإذا كان الاسراف في الطاعة محرم فكيف في الأمر المباح! من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي وصحح الحديث العلامة الألباني -رَحِمَهُ الله- قال: جاء رجلٌ إلى النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةِ والسَّلَامُ- فقال علمني الوضوء فتوضأ له ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: «هَكَذَا الْوُضُوءُ -أي على الثلاث-، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» يا سبحان الله! انظر مع أنَّ الماء الذي يستخدمه سيستخدمه في عبادة، ولكن لما زاد فإنَّ هذا يعتبر من التعدي والظلم والإساءة.
فكيف بنفقة المال في المباح بزيادة حتى يذهب سرف، فإنَّ بعض الناس يبالغ في النفقة ويظن أنَّ هذا أمرٌ ممدوح وأن هذا من الكرم، ويالله كم تذهب من الأشياء والمأكولات وتفسد بسبب إسرافه بسبب عدم مبالاته وربما إذا نصحه ناصح قال: هذا مالي وأنا حر، لا أنت لست حرًا أنت عبد لله -جَلَّ وعَلا- عبدٌ في صلاتك في نفقتك، في زكاتك في دخولك في مخرجك في كل شيء، لا تقل أنا حر.
ولهذا لما نصح أُناس قارون ماذا قال لهم بعد أن نصحوه؟ وقالوا له: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:77-78]، هذا المال وهذه الكنوز هذا بقوتي وذكائي، أما المؤمن فيقول سمعنا وأطعنا، فأنت يا عبد الله كن منضبطًا في حياتك فأنت عبدٌ لله -جَلَّ وعَلا- ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عائشة، أنَّ هند -رَضِي اللهُ عَنْهَا- جاءت إلى النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةِ والسَّلَامُ- وقالت: يا رسول الله : "إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ؟ فَقَالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ»" ما يكفيكِ لا تأخذي زيادة، لا تسرفي في الأخذ، لا تطلبي منه أكثر ما ينبغي وما هو في حاجتك.
هكذا يعلمنا النبي -صَلَّى اللَّهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ- فكن يا عبد الله كن منتبهًا لهذا الأمر حتى النفقة لأولادك انتبه يا عبد الله، فكم من شرورٍ دخلت على الأولاد بسبب مجاوزة الحد في النفقة، فحصل من الأولاد من السرف والترف وأضاعهم المال، ولهذا اسمع ماذا يقول الله في اليتيم، اليتيم الذي يحتاج منا إلى أكثر شيء من الرحمة والاعتناء، ولكن مع ذلك يقول في كتابه الكريم: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ [النساء:6] أي لا تعطي اليتيم من ماله الذي هو له من إرثه، لا تعطيه إلا توفر فيه أمران: أنه صار بالغًا، وصار رشيدًا يحسن التصرف في المال.
ولهذا قال الله في الآية قبلها: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء:5]، السفهاء جمع سفيه وهو الذي لا يحسن التصرف ولو كان بالغًا، فمن كان دون البلوغ فمن باب أولى، فلا تعط ولدك من المال ما لا يحسن أن يتصرف به ويبذر ويلعب بالمال، انتبه يا عبد الله أنت ستسأل عنه يوم القيامة؛ لأنَّ الله -سُبْحَانهُ- أودعك هذا المال وفتح لك باب الرزق، لا من أجل أن تبذر، لا من أجل أن تسرف، لا من أجل أن تتجاوز الح في النفقة، وإنما كن معتدلًا كما أمر الله.
ولهذا قال الله في صفات المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان:67] أي لم يجاوزوا الحد ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان:67] أي لم يبخلوا ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:67] أي عدل، فكانوا عدلًا في أقوالهم وعدلًا في أفعالهم وعدلًا في أموالهم؛ لأنَّهم يراقبون الله -سُبْحَانهُ وتَعالَى- ولهذا قال الله في هذه الآية، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين، فكل شيءٍ تقدم عليه يا عبد الله في أكلك في شربك في بنائك في عملك في نفقتك، في كل شيء، لا بد أن تكون منضبطًا، حاول أن تكون منضبطًا جاهد نفسك، إياك والمباهاة إياك والمفاخرة، إياك أن تقول فلان فعل وأنا سأفعل مثله وأكثر، فكم من بيوتٍ بنيت لا على سبيل الحاجة وإنما على سبيل المباهاة، وهدرت ثم تركت، وكم من إنسانٍ بنى بيتًا ربما زيادة على حاجته، وهو ربما يحتاج أقل من ذلك، ولكن كان غير منتبه.
الكثير منا معاشر المسلمين يعمل أشياءً لا ينتبه لها وربما يعملها بحسن ظن، وهو لا يدري أنَّه مخطئ في هذا فكلنا محتاجون للتوجيه، المتكلم والمستمع، العالم وغير العالم، كلنا محتاجون للتوجيه فإنَّ الواحد منَّا ربما يعمل من الأشياء ما لا ينتبه لها، والنبي -صَلَّى اللَّهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ذهبنا لبعض المناطق الجبلية وإذا بعمارات شاهقة ربما أكثر من خمسة دور ولكنها مهجورة لم تسكن ربما ما سكنها أهلها البتة، عمارات منازل كثيرة، ويقولون هذا بني قبل كذا سنة ولم يسكنه أحد، يا سبحان الله! هل أعطانا الله الأموال من أجل أن نسكن فيها الشيطان! هل أعطانا الله الأموال من أجل أن نرمي بها فيما لا ينفع! انتبه يا عبد الله واعلم أنك مسئولٌ أمام الله.
أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
*****************
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، -صَلَّى اللَّهُ علَيْهِ وعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ- قال الإمام مالك -رَحِمَهُ الله-: "التبذير في الخير ليس بمحرم" فأنت يا عبد الله انظر إلى نفسك، فإنَّ الشيطان يفتح لك أبواب المباحات حتى تنتقل بها إلى المحرمات، ويسد عليك أبواب الخير حتى لا تكسب حسنات، ولهذا علينا أن ننظر ما الذي يمنعنا من التبذير؟ ما الذي يمنعنا من الإسراف؟
والجواب: اعلم أولًا أن تعلم أنَّ الله ما أودع لك هذا المال لتتصرف به كيفما تشاء لا، وإنما ابتلاء واختبار، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:15] فتنة، يبتليك الله، فإذا أعطاك الله الصحة أو المال يبتليك، كيف ستصرف بهذا المال، فهل تظن أنَّ الله لن يسألك إذا لم تحسن التصرف.
الأمر الثاني: يا عبد الله أن تعلم أنك مسئول عن هذا المال، قال النبي -صَلَّى اللَّهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ- كما من حديث أبي برزة الأسلمي: «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَشَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ» قال بعض أهل العلم: لن أجد شيئًا في القرآن والسُنَّة نسأل عنه في مدخله ومخرجه إلا المال، يسألنا ربنا من أين دخل وكيف خرج.
فيا من تنفق المال الآن في القات، أو في الدخان، أو في النت، أموال مئات الآلاف تكون في آخر الشهر، هل فكرت يا عبد الله أنك لن تسأل عن هذا؟ وربما يبلغ شرائك للقات في الشهر يجاوز المائة والمائة والعشرين، غيرك ما وجد لقمة العيش، غيرك يبات طاويًا جائعًا، من إخوانك المسلمين وأنت تبذر المال فيما يضر، إذا كان بذل المال في المباح، الاسراف في المباح حرام، فإنَّ الإسراف في المحرم أشد حرمة، فهل تظن أنك لن تسأل عن هذا المال الذي تبذله فيما لا ينفع في النت؟
النت إذا أردت أن تستخدمه فيما لك به حاجة، حاجة فلا مانع ولكن باقتصاد، أما أن تسرف اليوم أكثر من ثلاثة أو أربعة وأنت لا تنتفع بها يا عبد الله، هل فكرت أنك لن تسأل؟ وغيرك من الناس في محنة الفقر، في محنة الجوع، في محنة الشدة والعناء، وأنت تبذر بالمال، أتظن أنَّ الله لن يسألك عن القات الذي تمضغه ويدخل في جسمك ويضر بجسمك، وتبذل من أجله الأموال، بل ربما أضعت الصلاة بسببه.
يا عباد الله...
الله -سُبْحَانهُ- يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:115]، ويقول: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:24] ويقول: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:92-93] نحن مؤمنون نحن مسلمون لسنا بكفار، الكافر قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:12] أنت مؤمن أنت مسلم، أنت تراقب الله في صرفك في نفقتك في عملك في قولك، أنت لست كالكافرين ففكر يا عبد الله، فكر يا عبد الله فلربما ذهبت عليك من الأموال وسجلت في ميزان سيئاتك والعياذ بالله.
إذن هذا من الأمور التي تعينك على أن تضبط نفسك، حتى في المباحات، تضبط نفسك في المباحات، تعلم أنَّ هذا المال الذي قال فيه النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةِ والسَّلَامُ-: «يَقُولُ الْعَبْدُ مَالِيَ مَالِي إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ مَا أَكَلَ فَأَفْنَى أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ».
الأمر الثاني الذي يحجزك عن التبذير والإسراف أن تعلم أنَّ هذا سبب يحرمك محبة الله -جَلَّ وعَلا- لك، لأنَّ الله يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:31]، هل ترضى أن تكون على هذه المرتبة، هل ترضى أن تذهب عليك محبة الله لك، لا نرضى بذلك يا عباد الله، إذن انتبه لهذا الخطر الذي داهم الكثير منا، ولم يلتفت إليه الكثير منا وتساهل فيه الكثير منا.
الأصل في الناس أنهم يريدون الخير، الأصل في الناس أنهم يحبون الله ويحبون رسوله لكن الشيطان لا يريد لنا ولهم ذلك فيصيبهم بالغفلة، وربما حجزهم عن الخير وربما وربما، ودفعهم إلى الشر، فلا بد من أن ننبه جميعًا، وأن يغيض لنا من ينبهنا، ومن نصحك فقد أحبك ومن داهنك فقد غشك.
وهكذا اعلم يا عبد الله أنك إذا بذَّرت فالله يقول: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:26-27] لو قال لك قائل أنت أخو الشيطان هل ترضى بهذا؟ ستضاربه إذا قال لك قائل أنت أخو الشيطان أنت من الشياطين فكيف ترضى لنفسك أن يقول الله فيك هذا ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:27]، فلننتبه معاشر المسلمين.
ولهذا مما يعين أيضًا أن تعلم أنَّ إضاعة المال يكرهها الله، فهل ترضى أن تفعل شيء يكرهها ربك تذهب تشتري القات بخمسة آلاف بثلاثة آلاف بألفين، وأنت تعلم أنَّ هذا يكرهه ربك؛ لأنَّ هذا لا يعود لك بالخير؛ لأنَّك وضعت المال في غير محله، يقول -عَلَيْهِ الصَّلَاةِ والسَّلَامُ- كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، ويَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثًا... ومنها: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» الله يكره لكم، الله يكره هذا، فلا تفعل شيئًا يكرهه الله، ويكره لك أن تفعله فكن يا عبد الله، كن كما أراد الله -سُبْحَانهُ وتَعالَى-: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ [النور:51] وكن كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:36].
هكذا هم المؤمنون مستسلمون لأوامر الله ولحكم الله يراقبون الله في كل شيء، فأسأل الله -سُبْحَانهُ وتَعالَى- أن يعيننا وإياكم على طاعته، وأن يأخذ بأيدينا وأيديكم إلى مرضاته.
أسأله -سُبْحَانهُ- أن يصلحنا ظاهرًا وباطنًا، وأن يصلح قلوبنا وأن يحفظ أموالنا من الإسراف والتبذير، اللهم احفظ أموالنا من الإسراف والتبذير، اللهم وفقنا لإنفاقها فيما تحب وترضى يا رب العالمين، فيما لا يغضبك وفيما ترضاه يا أرحم الراحمين إنك أنت البر الرحيم.
اللهم من أرادنا والمسلمين بكيدٍ فرد كيده في نحره واشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميرًا له يا رب العالمين، اللهم لا تدع لنا في هذا اليوم ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا غائبًا إلا رددته إلى أهله سالمًا غانمًا يا أرحم الراحمين
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل أعداءك أعداء الدين، اللهم عليك بأعداء الدين من يهودٍ ونصارى وملحدين ورافضةٍ ونصيرين، فرق جمعهم وشتت شملهم واجعل الدائرة عليهم، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، سدد رميتهم ووحد كلمتهم واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا وارحمهما يا أرحم الراحمين، وأعنا على البر بهما أحياءً وأمواتًا يا أكرم الأكرمين، اللهم ولِ علينا خيارنا ولا تولِ علينا شرارنا، اللهم من أرادنا بسوءٍ وكيدٍ فرد كيده في نحره، واشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميرًا له يا رب العالمين.
اللهم ارض عن الصحابة أجمعين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، ونحن معهم برحمتك يا أرحم الراحمين وصلِّ اللهم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.
--------------------------
كانت بتاريخ: 10 صفر 1440